الشيخ السبحاني
222
بحوث في الملل والنحل
الكوفة والحيرة كان غافلًا عمّا يجري فيها من وثوب الناس على زيد ومبايعتهم له ، إلى أن كشف عنه هشام ، وأمره بما أمره . روى أبو الفرج قال : لما قتل زيد رثاه الكميت بقصيدة هجا فيها بني أُمية يقول فيها : فيا ربّ هل إلّا بك النصر يبتغى * ويا ربّ هل إلّا عليك المعول وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي ، والحسين بن زيد ويمدح بني هاشم فلما قرأها هشام بن عبد الملك أكبرها وعظمت عليه واستنكرها وكتب إلى خالد يُقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده ، فلم يشعر الكميت إلّا والخيل محدقة بداره فأُخذ وحبس في المخيّس . . . « 1 » . يقول ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 125 : وفيها مات في ربيع الآخر ، الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي ، وكانت خلافته عشرين سنة إلّا شهراً ، وكانت داره عند الخواصين بدمشق فعمل منها السلطان نور الدين مدرسة ، وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال . عاش أربعاً وخمسين سنة ، وكان أبيض سميناً أحول ، سديداً حسن الكلام ، شكس الأخلاق ، شديد الجمع للمال قليل البذل ، وكان حازماً متيقّظاً لا يغيب عنه شيء من أمر ملكه ، قال المسعودي : كان هشام أحول ، فظّاً ، غليظاً ، يجمع الأموال ويعمّر الأرض ، ويستجيد الخيل ، وأقام الحلبة . اجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس ، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب ، ولامتها ، واصطنع الرجال ، وقوّى الثغور واتّخذ القنى ، والبرك بمكة وغير ذلك من الآبار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدولة العباسية ، وفي أيامه عمل الحرز فسلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه ، ومنعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال وانقطع
--> ( 1 ) . الأغاني : 17 / 4 .